محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
168
الإنجاد في أبواب الجهاد
خرَّج البخاري ( 1 ) ، عن سهلٍ ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر : « لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله » ، فبات الناس ليلتهم : أيهم يُعطى ، فغدوا ، كُلُّهم يرجوه ، فقال : « أين عليٌّ ؟ » ، فقيل : يشتكي عَيْنَيْهِ ، فبصق في عينيه ، ودعا له ؛ فبرأ ، كَأَنْ لم يكن به وَجَعٌ ، فأعطاه ، فقال : أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال : « اُنْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم ، فوالله لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلاً ، خيرٌ لك من أن تكون لك حُمْرُ النَّعمَ » . وخرّج مسلم ( 2 ) عن ابن عونٍ قال : كَتبتُ إلى نافعٍ أسأله عن الدعاء قبل القتال ، قال : فكتب إليَّ : إنما كان ذلك في أول الإسلام ؛ قد أغار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بني المصطلق وهم غارُّون ، وأنْعامُهم تُسقى على الماء ، فقتلَ مُقَاتَلَتَهُمْ ، وسبَى سَبيهم ، وأصاب يومئذٍ جُويرية بنت الحارث . حدثني هذا الحديث : عبد الله بن عمر - وكان في ذلك الجيش - . فتضمَّن ظاهرُ القرآن ، ونصُّ حديث سهلٍ الأمْرَ بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال ، وجاء في حديث ابن عمر مباغَتَتُهم ، والإغارةُ عليهم ، وهم غارُّون ، فوجب أن يرجع ذلك إلى اختلافِ أحوال الكُفّار ، فيمن كان قد علِمَ بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما يقاتلهم عليه ، داعياً إلى الله - تعالى - ، وإلى دين الإسلام ، أو كان لم يعلم شيئاً من ذلك ، والدليل على ذلك قوله في الحديث : « إنما كان ذلك في أول الإسلام » ، يعني : دعاءهم قبل القتال ، حيثُ كانوا جاهلين بأمرِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأحوالُ الكفار لا
--> ( 1 ) في « صحيحه » في كتاب الجهاد والسِّير ( باب فضل من أسلم على يديه رجلٌ ) ( رقم 3009 ) . وأخرجه - أيضاً - ( رقم 2942 ، 3701 ، 4210 ) ، ومسلم ( 2406 ) . ( 2 ) في « صحيحه » في كتاب الجهاد والسير ( باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام ، من غير تقدم الإعلام بالإغارة ) ( 1730 ) . وأخرجه البخاري في كتاب العتق ( باب من مَلَكَ من العَربِ رقيقاً ، فوهبَ وباعَ وجامعَ وفدَى وسبَى الذرية ) ( رقم 2541 ) .